الجمعة، 14 يناير، 2011

إذاالشعب يوماً أراد الحياة
















في ظل الزحمة التي تملأ شوارعنا ،والعجلة التي تملئني لألحق بدوام عملي الذي لا يغني ولا يسمن من جوع قررت، والأمر لله من قبل، ومن بعد أن أركب وسيلة المواصلات التي تركتها منذ فترة من الزمن، واستعضت عنها بعلبة السردين أقصد الحافلة، المهم ركبت الميكروباص أو المشروع أو أي مسمى نسميه به، وللعلم هو ذلك الكائن الأبيض في الغالب الذي يمشي على أربع عجلات، وقد اخترعه الإنسان في العصر الحديث ليريحه، ويحمله في جنباته لكي يوصله لبرالأمان، ولكن قبل ركوبي قررت أختيار "حاكم " أقصد سائق للمشروع، فقد سمعت العجائب عن السائقين، تلك العجائب التي لا أريد أن أرزق مثلها خاصة أننا في أرض ملئى بالأرزاق، واخترت سائقاً يبدوا على وجهه الهدوء والرزانة، وتتعالى من سيارته آيات القرآن الكريم،قلت لنفسي"الفاتحة خير"، وتوكلت على الله وركبت، وجلست بين المقاعد الخالية منتظراً أن يمتلأ المشروع لكي تمضي رحلتنا بسلام،وبالفعل صعد الركاب الواحد تلو الآخر حتى امتلأ بالركاب، ولكن يبدوا أن السائق لم يعجبه ذلك، فتنحنح وتنفس بقرف ظهر في صوته، ثم صدرت منه كحة أعقبها صوت كأنه خرج من بئر عميق:
"ياأستاذ أنت واخد راحتك كدا ليه،وسع كدا،لسه في مكان" ظننت أنه يحاور أحد غيري حتى لمحت نظراته النارية التي أعقبها بقوله: "أيه ياأستاذ هو أنت اطرش وسع كدا لسه في مكان لراكب كمان"
أجبته بكل قوة:بس الكرسي ياخد ثلاثة بس ياسطا، وإحنا ثلاثة..
فوجئت بزئير كزئير الأسد الذي أوشك على ألتهام فريسته، وسمعت هذا الصوت يقول لي : أيه ياأستاذ دي عربيتي أنت هتعرفني عربيتي الكرسي دا ياخد اربعة وخمسة وسته لو أنا عايز ،ولو مش عاجبك انزل ياأستاذ مع السلامة...!
نظرت مستنجداً للركاب،ووجدت كل شخص منهم قد ادعى الطرش وعدم الأنتباه، ووجدت كرامتي قد ملئتني حماساً، وقررت النزول، وأنا ألعن سلبية الركاب، وطاغوت السائق، وتركت السيارة ومن فيه، ونزلت واتجهت لسيارةأخرى، ولكن هذه المرة حرصت على الجلوس بجوار السائق لكي لا أتعرض لنفس الموقف السابق، وبالفعل ركبت بجوار سائق شاب لا يتجاوز السادسة والعشرين،يلبس الكثير من السلاسل والاشياء التي تشبه الأساور في يديه، وبعد أن امتلأت أقصد "تكدست" السيارة في صمت الركاب، وبلاهتهم وأخيراً انطلقت السيارة،وبدأت رحلة العذاب أقصد الذهاب للعمل، وبمجرد أن انطلق السائق قام بفتح المسجل على أسوأ الأصوات التي خلقها الله لتزيد من عذابنا الدنيوي الذي أصبح لا ينتهي، وسمعت كلمات غريبة تصدر من تلك المخلوقات الي تغني اتذكر منها قول أحدهم
"الشيشة الشيشة خضرا، وعشانك أنت جيا على طول في الكوسة تضربها في ثانية، وتنسى، طنش بالشيشة تعيش، تاخدها في ثانية وتنسى، وتلقى الهم مافيش دا الشيشة لأجلك انت"
ومن بين تلك الأصوات التي كادت تصيبني بالطرش سمعت صوت ذلك الشاب يقول:

الأجرة زادت نصف جنيه ياحضرات، تعالت الأصوات الغاضبة، وصوتي بين تلك الأصوات، وطلبت من السائق أن ينزلني، فإذا بالسائق الصغير يصرخ قائلاً "أنه لن ينزل أحداً إلا بعد الدفع،ويقسم بكافة الأيمان التي سمعتها من قبل، و التي لم أسمعها من قبل، أنه أخبرنا قبل أن يخرج من موقف"محطة" المشاريع، وكدت أصر على موقفي بعدم دفع الزيادة إلا أن أغلب الركاب دفعوها دون اعتراض يذكر لذا دفعتها وأنا ألعن الظروف التي جعلتني أركب وسيلة المواصلات تلك، واقسم في نفسي أن هذا السائق يشبه الآخر، ثم تجرأت، وطلبت من السائق أن يخفض الصوت الذي يكاد يطرشنا، فإذا بالرد المعتاد يصدر من : "إلي مش عجبه ينزل، ولكن أين أنزل، وقد دفعت الأجرة كامله، ووقعت الفأس في الرأس،وانتهى الأمر"
ولكني وجدت نفسي اسأله بتلقائية،هو أنت ابوك سائق مشروع زيك.
فإذا بأساريره تنبسط،وتظهرأسنانه السوداء من فعل السجائر رغم صغر سنه، وسألني :
"هو أنت تعرفه،آه دا بيشتغل معايا على نفس الخط،أصل دا مشرع العيلة وأنت تعرفه منيين"

أجبته :أبداً معرفوش بس ركبت معاه قبل كدا،وشبهت، ووجدت نفسي أقول بتلقائية شديدة،"ذاك الشبل من ذاك الأسد"
فضحك السائق سعيداً،ومفتخراً بذلك،وشكرت الله أنه لم يفهم مقصدي

اقترب السائق من مكان عملي طلبت منه أن ينزلني ،فإذا به يقول لي : ممنوع الوقوف هنا ياأستاذ.

قلت له: يابني ممنوع إزاي إذا كان في هنا محطة"موقف"

قال لي :بص ياأستاذ أنت مش هتعرفني شغلي،أنا محترمك بس عشان أنت من سن الوالد وطلعت تعرفه،قلت لك هنا ممنوع الوقوف ياأستاذ...
نظرت مستنجداً بالركاب، ووجدتهم نفس العينة من الركاب السابقين، كل منهم أدعى عدم انتباهه، بل وجدت منهم من تضامن معه متهماً أياي بعدم الفهم، قال للسائق : كمل سكتك ياسطى ربنا يعينك

فسألته وعيني منخفضة تنظر للأرض في أسف : هتنزلني فين ياسطى.


قال لي:متقلقش المحطة الجاية على طول.

وبالفعل أنزلني في المحطة التي تبعد عن عملي بربع ساعة تقريباً، واضطررت لركوب تاكسي آخر ليوصلني للعمل، وأنا أردد بصوت عال:

إذا الشعب يوماً أراد الحياة ...فلابد أن يستجيب القدر
ولابد لليل أن ينجلي...ولابد للقيد أن ينكسر

بقلم: هدى التوابتي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قال تعالى (( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ))

لنحيا بالقرآن..

TvQuran